ضيوف مضياف

الإمارات والسياحة المستدامة

 

نوفمبر 2017 سوف يشهد افتتاح متحف اللوفر أبوظبي، هذا المعلم السياحي الرائع الذى يضيف لبنة جديدة إلى الصروح الثقافية الجديدة في دولة الإمارات ويساهم في نجاح السياحة المستدامة.

فهذا المتحف الجديد، بالإضافة إلى سلسلة المتاحف المزمع افتتاحها قريباً، سوف يضع أبوظبي خصوصاً ودولة الإمارات بصورة عامة على خارطة السياحة الثقافية بعد أن كانت متربعة على عرش السياحة الترفيهية.

الاهتمام الرسمي بهذا المتحف بالخصوص لا حدود له. فشهرة متحف اللوفر في باريس جعلت للوفر أبوظبي موقعاً خاصاً في خارطة السياحة العالمية، وبالتالي الاهتمام المؤسسي به، وجعلت الترويج له كوجهة ثقافية أمراً ليس صعباً. فشهرته ليست فقط مشتقة من شهرة اللوفر ولكن لوفر أبوظبي يتمتع بالخصوصية ويتميز بالمقتنيات التي سوف تجعل له أهمية تاريخية وفنية لا مثيل لها.

أدركت الإمارات منذ إنشائها أهمية الاهتمام بالسياحة كمصدر مهم من مصادر الدخل وللتعريف بالتراث والتاريخ الغني الذي تتمتع به الدولة. فالإمارات ليست نتاج النفط، ولكن نتاج تاريخ طويل يمتد لآلاف السنين وتراث غني مترع بالقيم العربية الأصيلة والتقاليد الثرية التي نحتاج للتعريف بها.

إذاً فالمتاحف ليست فقط لحفظ المقتنيات الفنية والآثارية، ولكن لإبراز الوجه الحضاري للدولة، حيث إن المتاحف هي ذاكرة الوطن، وهي الواجهة الحضارية لأي مجتمع والسفير فوق العادة للتراث والفن.

قبل تأسيس دولة الإمارات أدرك المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد أهمية المتاحف، فأمر بإنشاء متحف العين الوطني ليكون أول متاحف الدولة. وقد جذب متحف العين الملايين من الزوار منذ إنشائه وحتى الآن.

وحرصت إدارة المتحف على الاهتمام والترويج له ليكون ليس فقط معلماً تاريخياً ولكن صرحاً حضارياً من صروح الدولة. وقد أدركت الإمارات مبكراً أهمية المتاحف وعملت على الاهتمام بإنشائها لتكون ليس فقط مباني، ولكن صروحاً عمرانية تتباهى بما فيها.

كما عمدت على التدقيق الجيد في اختيار الأماكن التي سوف تقام فيها المتاحف لتكون وجهة حضارية تمثل تراث الإمارات وتاريخها. فالمنطقة التي تحتضن لوفر أبوظبي تقع على شاطئ البحر وفي وسط مدينة أبوظبي، الأمر الذي يسهل للسياح زيارته، كما يقدم لهم لمحة من تاريخ الإمارات البحري.

إن غالبية السياح الذين يفدون إلى الإمارات قد قدموا إليها من قبل، وبالتالي فهذا يقدم لنا دليلاً على أن السياحة المستدامة في الإمارات ليست بالأمر الصعب. ولكن مؤشرات السياح تظهر أن ما نسبته 70% منهم تأتي إلى الإمارات للسياحة الاقتصادية أي التبضع، وما نسبته 30% تأتي إلى الإمارات للسياحة التراثية والتاريخية.

إن غاية إنشاء المتاحف والاهتمام بأحياء المواقع الآثارية هي رفع نسبة السياحة الثقافية بحيث تصبح دولة الإمارات ذات المواقع التاريخية المهمة منافساً للسياحة الاقتصادية. فالهدف هنا ليس اقتصادياً فقط ولكن توعية وحضارياً حتى نعرف العالم أجمع بأن الإمارات ليست نفطاً أو سوقاً مفتوحاً ولكن متحفاً تاريخياً وفنياً يحوي روائع الفن والتاريخ.

إن السياحة المستدامة التي نرنو إليها تعني السياحة المتكاملة. فالسائح الذي يفد إلينا يجب أن يأتي إلينا مرات ومرات ويستفيد من كل المرافق السياحية الموجودة في الإمارات ومن كل أنواع السياحة الموجودة. وهذا يعني أننا بحاجة ليس فقط للاهتمام بالمرافق السياحية والخدمات والبنى التحتية ولكن الاهتمام بالبنى الحضارية والثقافية التي تحتضن السياحة.

نحن بحاجة إلى مرشدين سياحيين يعرفون المجتمع والحضارة الإماراتية جيداً للإجابة على كل التساؤلات التي يحملها السائح وخاصة التساؤلات ذات الطبيعة الاجتماعية. كذلك بحاجة إلى التدقيق الجيد في مكملات السياحة من توفير المعلومات الصحيحة والكتيبات الدقيقة الخالية من الأخطاء عن تاريخ وتراث الدولة. وهذا لا يتأتى دون الاستعانة بذوي الخبرة في الإمارات.

نحن بحاجة إلى إظهار التنوع الإثني الموجود في الإمارات وثقافته من مأكل وغيره، ولكننا بحاجة أكثر لإظهار الوجه الإماراتي للسياحة، لأن السائح لم يأت إلينا ليرى ثقافة وطعام الآخرين. نحن بحاجة إلى إظهار الوجه الكوزموبوليتنى للدولة، ولكن يجب أيضاً التركيز على الثقافة الشعبية الإماراتية من فنون ورقصات شعبية وموسيقى.

وعلى الرغم مما تزخر به الإمارات من غنى للثقافات الوافدة والتي تعايشت معها الإمارات لقرون إلا أننا بحاجة إلى إظهار الوجه الإماراتي للثقافة والتراث والطعام والحرف. إن السياحة المستدامة لن تنجح إلا إذا قامت على ركائز قوية من التاريخ والتراث والثقافة الشعبية.

د. فاطمة الصايغ

(البيان)

مقالات ذات صلة